الشريف الرضي

24

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

قبيح إذ كان معصية ، والثاني حسن إذ كان جزاء وعقوبة ، ولو كان الأول هو الثاني لم يكن للكلام فائدة ، وكان تقديره : فلما مالوا عن الهدى أملناهم عن الهدى ، فكان خلفا من القول يتعالى الله عنه ، لان الكفر الذي حصل في الكفار [ الذين وصفهم سبحانه بميلهم عن الايمان ] قد أغناهم عن إحداث مثله لهم ، وخلق ما يجري مجراه فيهم ، فعلمنا أن زيغهم كان عن الايمان ، وإزاغته تعالى لهم إنما كانت عن طريق الجنة والثواب ، وأيضا فان هذا الفعل لما كان من الله سبحانه على سبيل العقوبة لهم ، علمنا أنه غير الجنس الذي فعلوه ، لان العقوبة لا تكون من جنس المعصية ، إذ كانت المعصية قبيحة والعقوبة عليها حسنة . وليس لقائل أن يقول : إن قوله سبحانه ههنا : ( أزاغ الله قلوبهم ) متشابه أيضا لأنه لا يفهم بظاهره وهو محتاج إلى الكشف عن باطنه . لان قوله سبحانه : ( فلما زاغوا ) قد صير قوله : ( أزاغ الله قلوبهم ) في حكم المفهوم الظاهر ، إذ قد بينا أن الزيغ الثاني لا يجوز أن يكون هو الزيغ الأول ، ولا من جنسه ، فقد علم أنه غيره ، وإذا علم أنه غيره - والأول الزيغ عن الايمان - وجب أن يكون الثاني غير الزيغ عن الايمان ، وأن يكون معناه ما ذكرنا من العقوبة على الميل عن الهدى إلى الضلال ، وفي ما أوردناه من ذلك كاف بتوفيق الله تعالى . وإذ قد اعترضنا هذه الآية ، أعني قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ، لايرادنا لها في موضع يحتاج إلى الاستشهاد بها فيه ،